ابن عربي
331
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
حركة الفلك الذي فيه الشمس . ثم خلق المعادن ، والنبات ، والحيوان ، وآخر خلق خلقه الإنسان . هكذا ركّب اللّه العالم ، فذلك تقدير العزيز العليم . ثم في هذه الأفلاك وبينها من العوالم والأملاك والأرواح والمنازل والمقامات ما لا يعلمه إلا اللّه . وخلق سدرة المنتهى أصلها في السماء السادسة عند الأنهار الأربعة ، والنيل والفرات منها ، وفروعها بين السماء السابعة والكرسي ، وجعلها موضع الانتهاء لما ينزل من العرش من الأمر ، ولما يصعد من الأرض من الأعمال والمعارج . وجعل هناك مرموما ، وهو مسكن الملائكة دون الروح الأعظم . وإن اللّه خلق سبعين حجابا ، ومن وراء الحجب ، إسرافيل ومن وراء إسرافيل سبع حجب بينه وبين العرش . وخلق اللّه ميكائيل ، وجعل بيده الدعاء والرحمة والاستغفار والأرزاق والغياث . وخلق جبريل ، وجعل له الوحي إلى الأنبياء والمرسلين والخشف والإرجاف وهلاك الأمم الطاغية على رب العالمين . وخلق عزرائيل ملك الموت وقبض الأرواح . وجعل إسرافيل سفيرا بينه سبحانه وبين هؤلاء الملائكة يما يوحى إليهم من القضاء الذي قدّره وسبق في علمه كونه . وجعل اللوح المحفوظ معلقا بالعرش فإذا قضى اللّه قضاء دنا اللوح فيقرع جبهة إسرافيل ، فيسمع للوح صلصلة كالسلسلة على الصفوان ، فيكشف إسرافيل الغطاء الذي على وجهه ويرفع بصره ، فإذا فيه قضاء اللّه عز وجل الذي قضاه ، فينادي بذلك القضاء إسرافيل الملك الذي يجريه الحق على يديه ، وبين إسرافيل عليه السلام وبين أقرب الملائكة إليه سبعون حجابا . وخلق سبحانه الناقور ، وهو الصور ، وهو قرن من نور واسع الأعلى ضيق الأسفل ، وجعل فيه مسكن أرواح الخلائق بعد ، ووكّل به ملكا عظيما ألقمه إياه ، ينتظر متى يؤمر بالنفخ . وجعل لإسرافيل فيه نفخة البعث ، فإن النفخات في الصور ، وهو جمع صورة ، نفخة الأرواح في أجسادها إن شاء ، وهو قوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * ، ونفخة الفزع ، وهو المذكور في سورة النمل ، ونفخة الصعق ، ونفخة القيامة ، وهما المذكورتان في الروم ، فنفخة القيامة لإسرائيل . عن ابن عباس : وبين إسرافيل سبعون ، إسرافيل في أعلاها وجبريل في أدناها ، والصور القائم بينهما قد ثنى ركبته اليمنى ، وشخص بها إلى السماء ، والأخرى إلى الأرض ، والصور أجوف كأنه فضة بيضاء ، وقد وضعه الملك على فخذه ، وقرّب أعلاه إلى فيه ، وهو ينظر بإحدى عينيه إلى الصور ، وبالأخرى إلى جناح إسرافيل ، وقد جعل اللّه له علما ، فإذا أراد اللّه أمرا بقضاء الأجل الذي للعالم أمر إسرافيل أن يضم إليه جناحه ، وذلك بأن يدنو اللوح من جهة إسرافيل فيرفعه ، فإذا فيه : أن ضم إليك جناحك ، فيضم إسرافيل إليه جناحه بإذن ربه ، فإذا رأى ذلك الملك نفخ في الصور ، فتمر النفخة في جميع صور العالم الحي في العرش والكرسي والسماوات والأرض ، من ملك وإنس وجن وحيوان بري